• لماذا أصبحنا نعرف عن الناس أكثر مما نعرف عن أنفسنا؟ نعرف ماذا يأكل المشاهير، وأين سافروا، وماذا قالوا، ومن اختلف مع من، وما الذي يحدث في العالم لحظة بلحظة. نعرف أخبار أناس لم نلتقِ بهم قط، ونتابع تفاصيل حياة أشخاص لا يعرفون أسماءنا. لكن وسط هذا التدفق الهائل من المعلومات، قد يمر على الإنسان سنوات دون أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا بصدق: من أنا؟ ما الذي أؤمن به حقًا؟ ما الذي أخشاه؟ ما الذي أريده من حياتي؟ ما الأشياء التي أفعلها لأنني اخترتها، وما الأشياء التي أفعلها لأن الآخرين يفعلونها؟ قد أصبح الإنسان المعاصر شديد الاتصال بالعالم، لكنه قد يكون بعيدًا عن نفسه. وهذه مفارقة تستحق التأمل. فكثرة ما نراه لا تعني أننا أصبحنا أكثر وعيًا، فقد تكون كثرة الأصوات من حولنا سببًا في أنه يصعب علينا سماع الصوت الذي في داخلنا. نفتح الهاتف في كل لحظة فراغ، وننتقل من خبر إلى مقطع، ومن رأي إلى رأي، حتى لا تبقى في اليوم مساحة هادئة تكفي لسؤال النفس. ولذلك قد يعرف الإنسان ما يحدث في عشرات البلدان، لكنه لا يعرف لماذا أصبح غاضبًا طوال الوقت. وقد يعرف آراء مئات الناس، لكنه لا يعرف رأيه هو. وقد يتابع تجارب الآخرين باستمرار، حتى يبدأ في قياس حياته بمقاييس لم يخترها بنفسه. إن الإنسان يحتاج إلى المعرفة، لكنه يحتاج كذلك إلى العزلة الواعية؛ إلى أوقات لا يستقبل فيها شيئًا، بل يستمع إلى نفسه، ويراجع اختياراته، ويعيد ترتيب أولوياته. ليست الحكمة أن نعرف كل ما يحدث حولنا. الحكمة أن نعرف ما الذي يستحق أن يدخل إلى داخلنا أصلًا. وقد يكون أخطر ما تفعله كثرة المحتوى بنا أنها تجعلنا مشغولين عن السؤال الذي يحدد اتجاه العمر كله: هل أعيش الحياة التي أريدها، أو الحياة التي دفعتني إليها الأصوات من حولي؟ - د. عبد الكريم بكار.