قصص وعبر

في أطراف قاطعة من إحدى القرى النائية، كان يعيش بائع فخار مسن يُدعى مصباح. عاش مصباح وحيدًا بعد أن طوى الزمن شبابه، ولم يكن يملك من حطام الدنيا سوى كشك صغير يحميه من حر الصيف وبرد الشتاء. في ليلة من ليالي الخريف العاصفة، سمع مصباح صوت صرير ضعيف عند نافذة كشخه، وحين فتحها وجد طائر بوم صغير جريحًا، سقط من عشه وتنكسر أحد جناحيه. لم يتردد الشيخ؛ حمله برفق، وضمد جراحه، وقاسمَه كسرة الخبز الوحيدة التي يملكها. أطلق عليه اسم زيتون، ولعدة أشهر ظل يعتني به حتى التأم جناحه، لكن الطائر رفض المغادرة، وغدا يرافقه أينما ذهب، يحط على كتفه في التجوال، ويجلس بجانبه وهو يصنع الأواني الفخارية. كان أطفال القرية يتهامسون ويتضاحكون حين يرون العجوز يتحدث إلى بومته، ويعتقدون أنه أهدر وقته مع طائر لا ينفع ولا يشفع. لكن مصباح كان يرى في عيني الطائر صحبة صادقة أدفأ من أي كلام فارغ. حلت جائحة من الثلج لم تشهدها القرية منذ عقود، واشتد المرض على مصباح حتى بات عاجزًا عن النهوض من فراشه المتهالك، وانقطعت أخباره عن الناس لعدة أيام دون أن يفطن لغيابه أحد. حين اشتد به الجوع والعطش وبدأ يفقد وعيه، طار زيتون من الفتحة الصغيرة في السقف إلى بيت العمدة في وسط القرية. بدأ الطائر يحوم بإنهاك حول نافذة العمدة ويصدر أصواتًا متكررة ومختلفة، ثم يسقط فتحة صغيرة من القماش كان مصباح يربط بها جناح الطائر قديمًا. استغرب العمدة وأهل البيت من تصرف الطائر وزهده في أي طعام يُقدم له، واستمرار نقره على النافذة وكأنه يستغيث. قرر العمدة أن يتبع الطائر الذي كان يطير لأمتار قليلة ثم ينتظرهم ليلحقوا به، حتى وصل بهم إلى كشك مصباح المنعزل. هناك وجدوا الشيخ المسن في رمقه الأخير، فبادروا بنقله وتوفير الرعاية الطبية والطعام له. تحسنت صحة مصباح بعد أيام، وعاد ليتصدر مجلسه بين أهل القرية الذين خجلوا من تقصيرهم نحوه، وأدركوا أن تلك الرعاية التي قدمها لطائر ضعيف كانت السبب في نجاته من الموت محتضرًا في عزلتك. جلس مصباح في الشمس، ومسد على ريش طائره الوفي، وقال لمن حوله: قد نغفل عن الناس أو ينسونا في زحام الحياة، لكن المعروف الذي تزرعه في أي روح لا يضيع أبداً.. فالرحمة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها كل الكائنات وترد بها الجميل حين تضيق بك الدنيا. العبرة المعروف لا يضيع فصنائع المعروف تقي مصارع السوء #قصة_و_عبرة

تم النسخ
احصل عليه من Google Play